تـجـربـتـي مع دار نشـر كويتيّـة…

لم تــكـن هذه التجـربة عاديّـة، فعـلى الرغم من أننـي خضعت للكثير من الانتقادات اللاذعة أثناء نشري للأبحاث العلميّـة في مجلات و مؤتمرات عالميّـة، و على الرغم من شـدّة اختبار الدكتوراة الذي استمرّ لقرابة الثلاث ساعات برئاسة البروفيسور كريستوفر غارلاند -رئيس قسم علم الأدوية المتخصصة في الأوعية الدموية في جامعة أوكسفورد- إلّا أنّ هذه التجربـة مع دار النشـر الكويتيّـة لا أسـتـطـيع وصفها إلا أنها قاسيـة.

منذ أن ابتدأت بدراسة الماجستير في علم الأدوية في العام 2011، كان من ضمن إلـهامي هو معرفة سيناريو اكتشاف الأدوية، فأنا دائمًا -و بحكم تخصصي في علم الأدوية- أبحث عن نقطة البداية لأي مشكلة و إنجاز.

تـبـلورت هذه الفكرة على مر السنوات، حتـى العام 2014 و حيـنها كنت طالبًا في مرحلة الدكتوراة، و في نفس الوقت أقوم -من خلال الدراسة المجزّأة- بدراسة الدبلوم العالي في علم الأدوية المتقدمة Diploma in Advanced Pharmacology الذي تقدّمه الجمعية البريطانية لعلم الأدوية British Pharmacological Society، و كان من ضمن المقررات التي يجب أن اجتازها هو مقرر الاكتشافات الدوائية Drug Discovery، و كان المقرر بإشراف نخبة من العلماء الذين نجحوا أو تشـرّفوا بمحاولة اكتشاف أدوية لخدمة البشرية.

في ذلك المقرّر شاهدت النشوة التي تنعكس على ملامح و أصوات العلماء و هم يروون تفاصيل مراحل الاكتشافات الدوائية التي مرّوا بها، و لعلّ أبرز العوامل المشـتركة التي كانت في تلك الاكتشافات هو وجود عامل الصُّـدفَـة، على إثر ذلك قررت أن أقوم بنقل تلك الخبرات للزملاء و الأقارب، و لاحظت الانـبـهار الذي بدا على وجوههم، مما دفعني لأن تـكون لي بـصمة على شريحة أكبر في عالمنا العربي المعزول عن معرفة مراحل و صعوبات تلك الاكتشافات، و الاستفادة منها لمشاركة العالم في الاكتشافات الدوائية، لـذلك قـرّرت بأن أصدر كتابًا باللغة العربيّـة عن تلك الاكتشافات الدوائية التي جاءت بالصُّـدفة.

قمت بجمع المعلومات الكافية على مدى فترة تقارب الثلاث سنوات، ثم شرعت بكتابة الكتاب، و قمت بتقـسيم وقتي بشكل مـنتج، أذهب للعمل صباحًا -بعد اتمامي للدكتوراة و كنت حينها أعمل في جامعة بريستول-، ثم أعود و أحضّـر الطعام، ثم أبدأ بالكتابة حتى ينتهي اليوم، ثم أكرّس أحد أيام العطلة الأسبوعية للكتابة، بينما يكون اليوم الآخر بمثابة الراحة من كل عمل.

استمرّيـت على ذلك المنوال لقرابة ثمانية عشر شهرًا، و أصبح الكتاب جاهزًا للنشـر بعدما تم تدقيقه إملائيًا عبر أحد معلّمين اللغة العربيّة في الكويت، ثم قمت بتصميم غلافًا خاصًا للكـتاب عبر أحد المصمّـمـين المحترفين في الكويت، و ذهبت إلى دار نشر في الكويت لها علاقة بنشر بعض الكتب ذات الحسّ في المجال الطبّـي.

كان اللـقاء الأول عبر الهاتف مع مسؤول في دار النشر، حيث قام بإيصالي مع أحد العاملين في أروقة دار النشر، ذلك الشخص الذي أصبح مسؤولًا عن كتابي -الذي أود نشره- لاسيما مع قرب موسم معرض الكتاب، ذلك الشخص الذي سيكون حلقة الوصل بيني ككاتب و بين اللـجنة المقررة في دار النشر.

حتى كان يوم الثالث من شهر أكتوبر عندما قمت بزيارة دار النشـر و تقديم طلب رسمي لمعاينة كتابي كأولى الخطوات للنشر، و بعد الاستقـبـال الحسـن، قام الشخص المسؤول عن كتابي بتقليب صفحات الكتاب ثم قال: “لدينا بعض الكتّـاب ممّـن خاضوا في مجال الكتابة الطّـبيّـة”.

فقلت: “ماشاء الله، لذلك أنا جئتكم لأن لديكم خبرة في التعامل مع هذا النوع من الكتب”.

فقـام بعرض الكتب المذكورة، ثم قام بقليب كتابي من جديد و قال “مادة دسمة، و مراجع كثيرة ماشاء الله”.

فقلت: “لعلّك تعلم أن تلك الكتب التي نشرتموها تفتقر إلى قائمة مراجع، على الرغم من أنها تحاكي صحّـة الناس، ذلك الشيء الذي أراه مهمًا للأمانة العلميّـة، و لاحترام القارئ و تعليم القرّاء بأهمية المراجع فكان من أولوياتي في كتابي هذا”.

فقال: “نعم، نعم، سنقوم بعرض الكتاب على اللـجنة، و إن كان هناك قبول سنقوم بإجراءات الطباعة و الإعلان للنشر”.

فكان هناك السؤال الوحيد الذي طُرح علي، و كان هو السؤال المفصلي…

قال لي: “هل لديك نشاط في شبكات التواصل الإجتمـاعي؟ كم عدد المتابعين لديك؟”.

فقلت: “نعم لدي نشاط، و لدي من المتابعين ولله الحمد في تويتر مايقارب 4000 متابع، و في الإنستاجرام قرابة الألفين متابع”.

فقال -بنبرة خافتة-: “أها، طيب”.

غادرت دار النشر، و كلّي أمل في أن كتابي يرى النور عبر دار النشر الرائدة في الكويت، و كانت أول الرسائل التي وصلتني في تاريخ التاسع من أكتوبر -أي بعد ستة أيام من مقابلتي لهم-: “بعد إذنك ارسال البطاقة من الأمام و الخلف -الهويّة-، حيث قررت اللجنة منحك نسبة 10% من عائدات بيع الكتاب، شكراً”.

لم يكن ذلك العرض مناسبًا لي، و يبدو أن الكثير من البنود ليست واضحة!

فقلت للشخص المسؤول: “شكرا للعرض، و لكنّـي لا أرى 10% نسبة جيّـدة لاسيما أنها أقل من النسبة المتعارف عليها، و كون أن كتابي هو الأوّل من نوعه في اللغة العربيّـة و يحتوي على معلومات و طريقة عرض لم تكن مطروحة سابقًا على مستوى العالم، فأرجو إعادة النظر بعرضكم، و شكرًا”

ثم جاءني رد جديد في الرابع عشر من شهر أكتوبر -أي بعد خمسة أيام من أول عرض- و كان مفاده “السلام عليكم، اتفقت اللجنة على أن نسبتك 15% و لكن الكتاب ستتم طباعته بالأبيض و الأسود، و سيكون بدون قائمة المراجع”

صدمة!

كيف تريد دار نشر أن تنشر كتابًا علميًا طبيًا دون قائمة مراجع؟!

قمت على إثر ذلك بطلب توضيح عن العرضين المطروحين، فقلت: “هل ذلك يعني أن عرضكم الأول ذو 10% بأن الكتاب سيطبع ملوّنًا مع قائمة المراجع؟ و أن العرض الثاني 15% هو أن الكتاب سيطع بالأبيض و الأسود دون المراجع؟”

قاموا بالرد الحاسم في تاريخ الثامن عشر من أكتوبر (أي بعد تسعة أيام من العرض الثاني): “الموافقة على 10% بوجود المراجع و لكن الطبعة بالأبيض و الأسود”

لم يكن ذلك العرض مناسبًا بالنسبة لي، فقد قمت بعرض بعض محتويات الكتاب على قراءً من خارج المجال الطبّـي من مختلف الأعمار، و جميعهم اتفقوا على قيمة الكتاب العلميّـة و سهولة السرد لاسيما مع الصور الملوّنة، فقمت بتاريخ العشرين من أكتوبر بسحب طلبي من دار النشر بخيبة أمل كبيرة.

خيبة الأمل التي صدمتني هي أن دار النشر لم تقدّر محتوى الكتاب و لكنّـهم اهتمّـوا بعدد متابعيني في شبكات التواصل الإجتماعي، و تكلفة الطباعة دون أي تقدير لمحتوى الكتاب!

اهتمامهم بعدد المتابعين في شبكة التواصل الإجتماعي من خلال سؤالهم الوحيد في أوّل مقابلة، كان بمثابة الصدمة التي جعلتني استوعب ذلك الإهمال بتعاملهم معي، و تفاوضهم المادّي -في حين أنني كنت مهتمًا بإيصال المحتوى العلمي لشريحة كبيرة من مجتمعنا العربي.

ذلك الاهتمام بعدد المتابعين، جعلـني ألقى ضالّـتي في سؤالي عن نشر العديد من الفاشنيسـتات و مشاهير شبكات التواصل الإجتماعي للعديد من الإصدارات التي لاقيمة لها، لأعود و معي نسخة من كتابي الذي أرجو أن يحظى بتقدير من دار نشر كويتيّـة/خليجيّـة/عربيّـة، لأحظى بطرح محتوى علمي إلى شريحة كبيرة من مجتمعنا العربي تمتد من طلبة المرحلة المتوسّطة حتى كبار الخبراء العاملين في القطاع الصحّـي.

خيـبـة أمـل.. فـكـل ذلك المحتوى العلمي، لم يكن محل تقدير، في حين أن الأولويات كانت تصب في أعداد الأوراق و لون الصفحات التي قد تكلّف دار النشر عشرات الأفلاس الإضافيّـة، تلك التكلفة التي بلاشك سـتـكون مضافة على سعر الكتاب، ذلك الكتاب الذي كان من المفترض أن يـكون متواجدًا في معرض الكتاب في نوفمبر 2018 لو كان لي عدد من المتابعيـن يغري دار النشـر بضمان رواج كتـابي…

ماذا لو جاء أحد علماء أو أدباء العصر القديم؟

كم كتاب رُفض نشره لأسباب واهية؟

لعلّـي ألقاكم في 2019 إن حاز كتابي على رضى دار نشر أخرى إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *